في مشهد سياسي لبناني مثقل بالسوابق والتقاليد، جاءت العبارة التي قالها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في لقاء بعبدا "​رئيس الجمهورية​ فوق الجميع، وفوق البطريرك" لتشق مساراً تحليلياً يستحق التوقّف عنده. ليست الجملة عابرة، ولا يمكن إدراجها ضمن قاموس المجاملات السياسية، إنها عبارة تحمل في طيّاتها أبعاداً تتجاوز لحظة التلفّظ بها، وتفتح الباب أمام أسئلة حول طبيعة الدولة اللبنانية، وحدود دور ​المرجعيات الدينية​، وكيفية إعادة ترتيب العلاقة بين الرمزية الروحية و​الدولة المدنية​.

مدنياً، لا غبار على منطق العبارة. فالدستور يضع رئيس الجمهورية في رأس هرم المؤسسات، فيما تبقى المرجعيات الدينية خارج الإطار التنفيذي. لكن لبنان، بطبيعته المركّبة، لا يخضع بالكامل لهذه البديهيات. فالتاريخ السياسي اللبناني جعل من المرجعية الدينية مظلة تُمنح للسياسيين عند الحاجة، وتتحوّل أحياناً إلى إطار شرعية موازية للشرعية الدستورية. لذلك، قد يجد البعض صعوبة في تقبّل إعلان كهذا، ليس رفضاً للدولة، بل انسجاماً مع نمط عيش سياسي-اجتماعي راسخ، اعتاد فيه اللبنانيون على أن تكون الطائفة اساساً ينطلق منه الدستور، وليس العكس.

هنا يكمن السؤال الأكثر حساسية: هل تشكّل العبارة بذرة لخطاب جديد يدفع نحو دولة مدنية كاملة، أم أنها جملة قيلت في سياق ظرفي لا أكثر؟ إذا كانت النيّة تأسيسية، فنحن أمام تغيير عقيدةقبل أن يكون تغييراً دستورياً. إذ لا يمكن أن تُبنى دولة مدنية في لبنان من دون إعادة صوغ العلاقة بين ​الهوية الطائفية​ والمواطنة، وبين المرجعية الروحية وموقع الدولة. أما إذا كانت العبارة مجرد تأكيد ظرفي على دعم موقع الرئاسة، فإن أثرها يبقى محصوراً في اللحظة السياسية الراهنة، بلا امتداد إصلاحي فعلي. ولكي تكتسب الجملة معنى بنيوياً، يجب ألا تُقرأ في إطار شخصي أو ظرفي، وينبغي أن تنطبق على أي رئيس وأي بطريرك، حتى لو كانا على طرفي نقيض في الرؤية السياسية، والامثلة كثيرة على ذلك، خصوصاً في التاريخ الحديث، والتجربة اللبنانية تُظهر أن العلاقة بين الصرح والرئاسة بقيت دائماً مرتبطة بالأشخاص وظروف المرحلة، لا بالمبدأ الدستوري. ومن غير المرجح ان يكون العمل جارياً على كسر هذه الصيغة، بفعل التجارب السابقة، وانطلاقاً من مبدأ عدم جهوزيّة الشارع ولا السياسيين ولا المشرّعين ولا المسؤولين لمثل هذا التغيير الجذري.

في السياسة، لا شيء يُقال من دون سبب. ومن الواضح أنّ توقيت هذه العبارة يفتح باباً لتفسيرها باعتبارها رسالة دعم للرئيس العماد جوزاف عون، وخصوصاً في ما يتعلق بالمفاوضات التي بدأت، وبما يواجهه من اعتراضات من بعض الأطراف داخل بيئته المسيحيّة، ليس بسبب المفاوضات، بل بسبب أمور اخرى. بهذا المعنى، تصبح الجملة غطاءً سياسياً وروحياً، يمنح الرئاسة زخماً إضافياً في لحظة تحتاج فيها إلى رصيد قوي، ويؤكد المؤكد حول الكلام عن صعوبة بدء رحلة الدخول الى عالم الدولة المدنية.

قد تكون العبارة خطوة صغيرة في الشكل، لكنّها ثقيلة في المضمون. فهي تعيد رسم حدود، وتستدعي أسئلة، وتدعو لإعادة التفكير في علاقة اللبنانيين بدولتهم ومرجعياتهم. أمّا إذا كانت بداية مسار نحو دولة مدنية حقيقية أم مجرد ومضة ظرفية، فالجواب شبه المؤكد انها بعيدة كثيراً عن هذا الطرح، وبالأخص اذا ما اخذنا في الاعتبار مواقف الطوائف الأخرى، والتي لا تحبّذ الانتقال من النظام الطائفي الى النظام المدني، مع كل ما يعنيه ذلك من تغيير في الرؤية والعادات وحتى العقيدة، وهو امر متجذر في نفوس اللبنانيين على مرّ الأجيال منذ أيام الاستقلال، ولن تعمد أي كلمة او عبارة او نص الى تغييره بهذه السهولة.